الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

98

مرآة الحقائق

--> - ترتيله ، فإذا مرّت به آية فيها تخويف تواضع وتذلل وتصاغر وأناب واستغفر ونوى التوبة عن ذنبه ، واعتذر لربه ، وأقلع عنه ، وأذل نفسه واستحقرها ، وقمع أوصاف الكبرياء ، والعجب والدعوى ، والتعزز والخيلاء ، وفرغ محله من السوى ، وامتثل ما ورد على لسان الأنبياء عليهم السّلام ، كقوله على لسان داود النبي عليه السّلام : « يا داود فرّغ لي بيتا أسكنه » وأن الحق تبارك وتعالى أراد بذلك : فرّغ قلبك من سواي وملاحظة غيري . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم » . والقلوب أوعية فأتقاها أوعاها للخير ، فإذا صلّى القلب هذه الصلاة تنزلت عليه لطائف الأنوار ، وتنزلت عليه السكينة ، ولبسه الوقار ، وكتب فيه سطر الإيمان ، واستوى وتعدل لقبول واردات الإحسان ، واستغرقته الأنوار الإيمانية ، وأشرقت عليه إضاءات الروحانية ، وسرى في الملكيات ، وعرج في درج الملكوتيات ، وأفاق بعد صعقه لسماع كلام رب الأرضين والسماوات ، فتشرق أنواره على المصلين دونه ، فيكسون حلل أنوار جلال وهيبة وكمال ، فهم المنعوتون في كتاب اللّه العزيز بالشهداء . قال اللّه تبارك وتعالى : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [ الحديد : 19 ] . وقال تعالى : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ الحديد : 12 ] . وقال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ النساء : 69 ] . فالصالحون هم المسلمون ، والشهداء هم المؤمنون ، والصديقون هم المحسنون ، فهذه صلاة القلوب . وأما صلاة الروح فهو أن تضم لما وصفناه من صلوات الحقائق الثلاث . وهم : القلب ، والصدر ، والنفس ، خارجا عن صلاة الجسم ؛ فإن صلاة الجسم مشهودة للأبصار بخلاف الحقائق الثلاث ، فصلاة الروح انضمام الفرح والسرور بقدوم أوقات أداء الفرائض ؛ إذ هي أوقات التجليات والتنزلات ، وإعلان الداعي بالبشرى ، والتهيؤ للحضور للمخاطبات والمكالمات والمناجاة ، والتفكّر بعد التدبّر في أسرار الآيات المنزلات ، والتسوية والتعديل لنفحة الرحمانيات ، والخروج من حصر التعلقات بنيل الجزاء والثواب ، وحلول الدرجات ، وتلقّي الإفاضات الرحموتيات بلطائف العلوم الكشفيات ، والفهوم الغيبيات ، والتنعّم في رياض الجنات ، فيلبس حللا رضوانيات ، ويرقى معاريجا قدسيات ، ويتوّج تيجانا ربانيات ، ويحل بمقعد الصدق ، ويشرف بمكالمة الحق ، ويشهد جمال حضرة الربوبية ، ويتمحّض بصفة العبودية ، فكلما تلا في صلاته آية وتفكّر فيها وتفهّم معانيها عرج روحه النوراني إلى أفق أعلى ، ومقام أسنى ، ومشهد أضوأ ، ومقعد صدق -